|
هذا الزعيم ارادت
المقادير ان يكون ادريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن ابي طالب
، وهو احد القلائل الذين نجوا من القتل في ماساة فخ التي اوقع
العباسيون فيها بجماعة من العلويين من احفاد الحسن بن علي كانوا
يدعون لانفسهم و يطمعون في ان يقيموا لانفسهم دولة وكانت الماساة
في سنة 169 / 786 في خلافة الهادي العباسي .
وقد فر الناجون من
هذه الوقعة الى اطراف البلاد وكان من الذين فروا يحيى بن عبد الله
الذي هرب الى بلاد الديلم جنوبي بحر قزوين وسبب للعباسيين متاعب
كثيرة ، ولكن اسعدهم حظا كان اخاه ادريس بن عبد الله الذي ابعد في
الهرب حتى وصل الى المغرب الاقصى . ولحق به نفر من اخوته الذين
نجوا من الموت ايضا اهمهم سليمان وداود .
ولا ندري ان كان
ادريس قد علم شيئا عن المغرب أنداك ، ولكن مولاه راشيدا كان يقال
انه بربري الاصل ، ولا نستطيع ان نعلق اهمية كبيرة على هذا القول ،
ولكنه أي راشيد على أي حال وجه ادريس نحو المغرب ، وقد يكون راشد
يعرف اللسان البربري الذي يتكلم به الناس في هذه النواحي من المغرب
الاقصى ، ولكن الاهم من ذالك هو ان راشيدا كان ذكيا حسن التصرف
بعيد النظر ، وهو صاحب يد طولى في تاسيس الدولة الادريسية دون شك .
تقص النصوص علينا
حكاية روائية عن هروب راشد و ادريس الى المغرب الاقصى ، نجتزئ
منهما المهم ، وموجزها ان راشد و ادريس خرجا الى المغرب في زي
التجار مع القوافل ، فكان راشد هو السيد و ادريس خادمه ، يامره
امام الناس فيطيع امره ، وذلك ليخفي شخصيته ، وبعد رحلة سنتين ، أي
اثناء سنة 171 / 787 ، ظهر الاثنان في طنجة واخد راشد و ادريس
يدعوان لامير علوي يحمل راية الاسلام و يخلص الناس من الظلم و
الزندقة .
وكانت دعوة راشد
لرجل من اهل البيت كافية لتكسب الانصار ، ولكن يبدو ان التوفيق لم
يكن كبيرا في طنجة ، وكانت عاصمة المغرب الاقصى في ذلك الحين ،
واحس راشد ان مكان القوة الحقيقي يكمن في وسط قبائل اوربة ، وكان
مركز الجناح الغربي لهذه القبائل حول مدينة وليلي عند قاعدة جبل
يسمى زرهون حاليا، وتقع في منتصف المسافة بين فاس و مكناس
الحاليتين .
وكانت وليلي مركزا ممتازا وعظيما
للقبائل ، وعرفت في ايام الرومان باسم
Volubilis
وهي من هذه الناحية اصلح ما تكون
كمركز لدعوة سياسية ، و اما اوربة فكانت تتزعم مجموعة قبائل ضخمة
تمتد من الاطلس الاوسط الى وادي سبو ، وقد عرفنا هذه القبيلة ايام
كسيلة وراينا صراعها مع عقبة بن نافع ثم زهير بن قيس ، وتدخل مع
هذه القبائل مجموعة غمارة وهي قبائل برنسية تمتد في حوض سبو وريف
تامسنا على ساحل البحر .
وحول مواطن اوربة
كانت مواطن غمارة المصمودية التي تسكن جبال الريف و البسائط شمالا
الى طنجة وسبتة ، وهم بطون كبيرة اكبرها بنو حامد وميتوه وبنومال
و اغساوه ووارزوال و مجكسة ، ويقول ابن خلدون ان بلادهم كانت خمس
مراحل أي مسيرة خمسة ايام (حوالى 200 كيلو متر ) على ساحل البحر
المتوسط من مدينة غساسة فنكور فبادس فبنكيليس فتيطاوان فسبتة
فالقصر الى طنجة .
وفي مواطنهم جبال
شاهقة وهضاب عالية فيها مراتع للسائبة وفدن المزرعة وأدواح الرياض
، واليهم ينسب قصر المجاز الذي كان الناس يسيرون منه الى ميناء
طريف في الاندلس . وعلى ساحل المحيط الاطلسي تصل منازلهم بمنازل
برغواطة .وكان الذي ادخلها في الاسلام موسى بن نصير .
وكانت غمارة بين
القبائل التي انضمت الى ميسرة الصفرى المعروف بالفقير او الحقير
حتى انقضى امره ثم ظهر منهم متنبيء يسمي نفسه حاميم ويلقبه
المؤرخون بالمفتري ، وهو من قبيلة مجكسة ، وقد ظهر قرب تطوان ،
ولكن ذلك كان في زمن متاخر. اما في العصر الذي نتحدث عنه فقد كان
الغماريون قد انصرفوا عن مذهب الخارجية ، ولكنهم كانوا يتخوفون من
برغواطة ، مثلهم في ذلك مثل بقية المصامدة .وقد قامت في بعض بلادهم
امارة نكور ، وكان امراؤها اهل سنة ، وقد اجتهد امراؤها في بعض
الاحيان في رد غمارة الى مذهب السنة ونجحوا في ذلك اما بقية
الغماريين فقد رحبوا بدعوة ادريس ، لانهم رجوا ان يستطيعوا التخلص
من خطر برغواطة بها .
نزل ادريس وليلي في
ربيع الاول 172 / اغسطس 788 وبدا يدعو ، ولم يكن من العسير عليه ان
يكسب انصارا ، فان شيوخ اوربة كانوا مستعدين لتاييد زعيم يقودهم في
ثورة يتخلصون بها من سلطان برغواطة و ينشئ لهم دولة مثل دولة بني
رستم في تاهرت ، و كانت قرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم كافية
لاجتداب القلوب اليه ، خاصة اذا اضفنا الى ذلك ما كان لماساة فخ ،
وما وقع للعلويين فيها من القتل و التشريد وهم سلالة النبي الاكرم
، من اثر بعيد في قلوب المسلمين .
التف الناس حول
ادريس في حماس ، وقام الى جانبه راشد يدبر له الامر و يجمع له
القلوب . بعد قليل اصبح ادريس امير وليلي وزعيم الجناح الغربي من
قبيلة اوربة ، وتبعه كذلك عدد كبير من فروع قبيلة غمارة ، و كانت
الى ذلك الحين كيانا ضخما مفككا يحمل عبء برغواطة واستبدادها ، ومع
غمارة انضمت الى ادريس قطع من زواوة و لواتة و سدراتة و نفزة و
مكناسة وبعض هذه القبائل زناتي .
و بقوات هولاء
استطاع ادريس ان يسود كل المنطقة الشمالية من المغرب الاقصى
بمعاونة اسحق بن عبد الحميد شيخ اوربة ، وسار بقواته متنقلا في هذه
النواحي يخضع القبائل او يتلقى طاعتها ، وحتى امتد سلطانه في اقل
من عام من تلمسان الى ريف تامسنا ، ومن طنجة الى وادي ام الربيع ،
وهي رقعة فسيحة غنية لدولة يحسب لها حساب .
هنا تنبه هارون
الرشيد الى ما يمكن ان ينجم من الخطر من هذه الدولة و كان اكثر ما
اخافه ان اميرها علوي من اهل البيت ، ولاهل البيت مكان عظيم من حب
الناس ، وخاصة بعد الذي جرى لهم على ايدي الامويين اولا ثم
العباسيين بعد ذلك ، وربما كانت هناك مبالغة كبيرة في تصوير مخاوف
الرشيد ، و لكن قيام امارة علوية قوية في أي مكان من بلاد الاسلام
امر لا يمكن ان يستريح له العباسيون .
و تذهب الحكايات
الى ان الرشيد تدارس امر ادريس مع جعفر البرمكي فتبينا استحالة
ارسال عساكر الى المغرب للقضاء على امارة ادريس بن عبد الله ابن
الحسن ، ولم يجدا امامهما وسيلة الا الاحتيال في اغتياله بالسم ،
فوقع اختيارهما – فيما يقال – على رجل جرئ ذكي يسمى سليمان بن جرير
و يلقب بالشماخ ، فحمل السم ومضى الى المغرب ودخل في خدمة ادريس و
كسب ثقته ثم تحيل فدس له السم في هيئة طيب دخل في خيشومه و انتهى
الى دماغه فغشي عليه وسقط على وجهه لا يفهم ولا يعقل – فيما تزعم
المراجع – و لا احد يعلم ما به ولا ما اصابه ، ثم توفي في ربيع
الاول 175 ( يونيو 791 ) .
|